السبت، 6 سبتمبر 2008

علماؤنا وتغيير الرأي

قال الله تعالى في سورة الانشقاق ( فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * لتركبن طبقا عن طبق ) في هذه الآيات أقسم الله تعالى بثلاثة أشياء , بالحمرة بعد مغيب الشمس , وبالليل وما حوا وما جمع , وبالقمر إذا اكتمل ضوءه , ثم يأتي جواب القسم تقريرا وإثباتا بأنكم والخطاب للناس جميعا تدخلون في حال بعد حال , أي أن الإنسان لا يمكن أن يظل على حالة واحدة لا تتغير , فأحواله تتبدل وتتغير وهو شيء قدره الله تعالى على جميع البشر .
الأحوال عند الإنسان أربع أحوال يجري عليها التغير والتبدل وهي :
الحالة الأولى :
الأزمان , والإنسان فيها ساعة بعد ساعة , ويوم بعد يوم , وشهر بعد شهر , وعام بعد عام , وهكذا فلا يمكن للإنسان أن يتوقف ولو لحظة .
الحالة الثانية :
الأمكنة , فالإنسان يتنقل من مكان إلى مكان , فمن يسكن في الرياض تجده غدا زائرا في مكة , ومن هو في البيت يخرج إلى الشارع , ومن هو راكب تجده قد ترجل , وهكذا فلا يمكن للإنسان أن يستقر في مكان واحد .
الحالة الثالثة :
الأجساد , فجسم الإنسان يتغير من كونه طفلا صغير حتى يصبح كهلا إلى أن يصير شيخا هرما , وجسم الإنسان يتغير ويتقلب بين الصحة والسقم , فبينما هو صحيح معافى إذا يحل به مرض , وبينما هو يزهو بصحة تامة يصاب بكسر في قدمه , فكل شخص يعجز أن يحافظ على جسده ويحول دون أن يصيبه مكروه .
الحالة الرابعة :
القلوب , فقلب الإنسان ونفسه وإدراكه كلها تتغير , فمن تجده سعيدا يأتي عليه ما يحزنه , ومن كان قلقا يطمئن , ومن خاف أمن , ومن جهل أمورا أتى إليه علم منها , والإنسان يحفظ وينسى , والإنسان لا يفهم مسألة ثم يفهمها , وأحيانا على عدة وجوه , حتى الإيمان يزيد وينقص , فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية , وهذا هو قلب الإنسان وإدراكه ونفسه لا يثبت على حال .
ما يهمنا في هذا المقام هي الحالة الرابعة حالة القلوب , ففيها تكثر وجهات النظر وتتباين الآراء ولا ينقطع الحديث فيها , والكل يدلي بدلوه , والجم الغفير منهم ليس لديه تأصيل , أحد مع هواه وأحد مع الخيل شقراء .
عندما يأتي شخص وخاصة العلماء برأي غير ما عرف به من قبل يكثر الكلام عنه إما مدحا بأنه شيخ متفتح ويعرف متطلبات العصر ويمشي مع مقاصد الشريعة باليسر والتيسير وغيره من مكاييل المدح والثناء , وإما ذما بأنه شخص مزاجي الطباع عابد لهواه متناقض في أقواله وأفعاله والكثير من مفردات الذم , وفي كلتا الحالتين كثيرا ما يغيب العقل وميزان القسط .
نحن أمة وسط وأمرنا بالعدل في كل شيء ( وزنوا بالقسطاس المستقيم * ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) فالشخص المستقيم من لا يحكم حتى يقيس ويدرس المسألة ثم يصدر حكمه العادل , وما عليه العلماء من تغيير لبعض آرائهم شيء طبيعي كما تقرر من كلام الله تعالى ( لتركبن طبقا عن طبق ) وليس عيبا أو بدعا من القول أو العمل , هذا أولا والأمر الثاني يخص رأي العالم وفقهه فما كان موافقا للقرآن والسنة والقياس وإجماع العلماء فهو معتبر ولو كان رأيا مرجوحا وله عند العالم ما يبرره , وإن لم يكن موافقا للقرآن والسنة والقياس وإجماع العلماء وله عند العالم ما يبرره ويسوغه باعتبارات أهل العلم فهذا أيضا قول معتبر , وإن كان الرأي مخالفا لما عليه القرآن والسنة والقياس وإجماع العلماء ومتعارضا معها فهذا رأي متروك وليس له اعتبار , ويوضح الخطأ ويبصر من قال به .
أما أسباب تغيير الرأي وتبديل وجهات النظر فهذا راجع إلى النية وقصد العالم , والمحاسبة على النيات موكل إلى الله تعالى , وعلى هذا يكون مدح العالم لأجل فتوى مدح في غير محله , وكذلك ذم العالم لأجل تغييره رأيه ذم غير مبرر وليس من الأدب .

ليست هناك تعليقات: