عندما قدم برويز مشرف استقالته عمد المحللون السياسيون والكتاب إلى القول بتخلي أمريكا عنه وأنها قلبت له ظهر المجن , وأن مشرف أقدم على الاستقالة بعدما علم أن أمريكا تخلت عنه وأنها ستترك دعمه , لكن المطلع والمتابع لفترة حكم مشرف وما مرت بها من إرهاصات وأحداث يستشف أن أمريكا لم تتخل عن مشرف ولم تترك دعمه .
برويز مشرف قدم إلى السلطة إثر انقلاب عسكري على سلفه نواز شريف المنتخب شعبيا , مما جعل أمريكا تبدي استياءها وتندد بعمله , وتعتبره حاكما غير شرعي , فلا يستحق التعامل معه أو الرضا عنه مطلقا , فظل مغضوبا عليه من لدن أمريكا , فلما أعلنت أمريكا حربها على طالبان , قدم برويز مشرف قربانا غير مشروط لأمريكا لكي ترضى عنه , حيث دعاها للأراضي الباكستانية واتخاذها قاعدة للانطلاق منها , أمريكا قبلت العرض السخي لمصلحتها لا حبا لمشرف المغضوب عليه , لكن هذا القربان لم ينفع مشرف لكي يكسب رضا أمريكا والتمتع بدعمها , بل عصفت بمشرف أحداث كادت أن تنهي حكمه , حتى أنه نجا من محاولات اغتيال وهو يدافع عن نفسه بنفسه , فاتخذ قرارات عشوائية محاولة منه للبقاء في الحكم , عطل الدستور , عزل قضاة من المحكمة , إعلان حالة الطوارئ , لكن هذا زاد الغضب الشعبي عليه , وأمريكا تتفرج على ذلك الجنرال الآبق على الأعراف الديمقراطية .
مشرف مازال طامعا بالدعم الأمريكي فقدم لها قربنا لم يحسن اختياره فصار سيفا على المواطنين وخاصة الإسلاميين ودارت معارك كادت أن تئد الأمن الوطني الباكستاني , لكن هذا لم يشفع له عند أمريكا , بل أنها دعمت المناوئين له حتى نواز شريف الذي انقلب عليه مشرف رجع من منفاه وبدأ يزاول أعمالا سياسية .
أمريكا دولة تنادي بالديمقراطية وتدعو إليها وتطالب بتطبيقها فليس من مصلحتها أن تدعم حاكما قدم إلى السلطة إثر انقلاب عسكري ولو كان مطيعا لها في دولة شعبها قوي وله كلمته التي لا ترد , فمهما دعمت ذلك الحاكم يظل ضعيفا , لذلك هي لم تتخل عن برويز مشرف ولم تتركه ; لأنها لم تساعده أو تدعمه أصلا ولم تفكر في ذلك , واستغلالها له لا يعني دعمه والرضا عنه , فمصلحتها بدعم حاكم ينتخب شعبيا , فهي تعلم أن قوة الحاكم تستمد من مواطنيه في بلد مثل باكستان النووية .
لما يئس برويز مشرف من الدعم الأمريكي وعجز عن الدفاع عن نفسه قدم استقالته بعدما خسر كرامته وخان وطنه طلبا لرضا أمريكا وخسر الذكر الحسن .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق